الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
577
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والمراد : كونه هاديا مبينا كالسراج الذي يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد ، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس ، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس ، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية ، ولذلك وصف اللّه الشمس بأنها سراج حيث قال : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً « 1 » . وكما وصف اللّه رسوله بأنه نور ، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » ، فليس فيهما نور إلا اللّه ، ونوره القدسي هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال ، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية ، وهم الملائكة ، فصارت سرجا منيره ، يستمد منها من هو دونها بجود اللّه تعالى ، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية ، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم ، فليس في الوجود إلا نور اللّه الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه . والنور في الأصل : كيفية يدركها الباصر أولا ، وبواسطتها سائر المبصرات ، كالكيفية الفائضة من النيرين - الشمس والقمر - على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى إلا بتقدير مضاف ، كقولك : زيد كرم ، بمعنى : ذو كرم ، أو معنى منور السماوات والأرض ، فإنه تعالى نورهما بالكواكب ، وما يفيض عنها من الأنوار ، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم ، لأنهم يهتدون به في الأمور ، ويؤيد هذا القول قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 61 . ( 2 ) سورة النور : 35 .